خلقت طليقا كطيف النسيم .. وحرًّا كنور الضّحى في سماه؛ تغرّد كالطير أين اندفعت .. وتشدو بما شاء وحي الاله؛ وتمرح بين ورود الصباح.. وتنعم بالنور أين تراه؛ وتمشي كما شئت بين المروج.. وتقطف ورد الرّبي في رباه؛ كذا صاغك الله يا ابن الوجود.. وألقتك في الكون هذي الحياة؛ فمالك ترضي بذلّ القيود.. وتحني لمن كبّلوك الجباه ؟
دون تعليق
ينبغي أن يكون المتعلم من جنس ما روى عن حاتم الأصم تلميذ شقيق البلخي رضي الله عنهما: أنه قال له شقيق: منذ كم صحبتني؟ قال حاتم منذ ثلاث وثلاثين سنة. قال: فما تعلمت مني في هذه المدة؟ قال: ثماني مسائل. قال شقيق له: إنا لله وإنا إليه راجعون ذهب عمري معك ولم تتعلم إلا ثماني مسائل! قال: يا أستاذ لم أتعلم غيرها وإني لا أحب أن أكذب. فقال: هات هذه الثماني مسائل حتى أسمعها.
[الأولى] قال حاتم: نظرت إلى هذا الخلق فرأيت كل واحد يحب محبوبا فهو مع محبوبه إلى القبر فإذا وصل إلى القبر فارقه فجعلت الحسنات محبوبي فإذا دخلت القبر دخل محبوبي معي. فقال: أحسنت يا حاتم فما الثانية؟
فقال: نظرت في قول الله عز وجل (وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى فإن الجنة هي المأوى) (النازعات: 40، 41) فعلمت أن قوله سبحانه وتعالى هو الحق فأجهدت نفسي في دفع الهوى حتى استقرت على طاعة الله تعالى.
الثالثة: أني نظرت إلى هذا الخلق فرأيت كل ممن معه شيء له قيمة ومقدار رفعه وحفظه ثم نظرت إلى قول الله عز وجل: (ما عندكم ينفذ وما عند الله باق) (النحل: 96) فك
أدب الطفل في الغرب صناعة قائمة الذات، لها نواميسها وأطُرها. ومثلما هي حال أغلبية المنتجات المادية والفكرية، فهي تخضع للثقافة التي تُنتجها أو تتلوّن بها على أقلّ تقدير. وإنّي أتساءل: إلى من يوجّه كاتب القصص والحكايات في أوروبا وفي أمريكا منتجاته؟ الإجابة البسيطة هي أنّه يوجّهها للزبائن، لمن يدفع. لكنّي لست مقتنعًا تمامًا. ذلك أنّ الأطفال محمد وصالح وعبدالله وهدى وفاطمة يدفعون تمامًا كما يدفع الأطفال جون وماريو وجاك وماريا وإليزابيث. لكن يبدو أنّ الأوائل ضحية عملية احتيال ونصب كبيرة. فهم على ما يبدو يدفعون مقابل منتجات لا تُنتج إليهم ولا يأخذ المُصنِّع في حسبانه ثقافتهم وحضارتهم، فما بالك بمعتقداتهم!
لندرس ولو باقتضاب شديد مثالين اثنين: الأول طوم وجيري (القط والفأر) والثاني هاري بوتر.
تنتمي كرتونات (وأفضّل "الصّور المتحركة") طوم وجيري بعمق إلى الثقافة الأمريكية. ونشاهد على امتداد آلاف الحلقات فأرًا لطيفًا شديد الذكاء والفطنة يراوغ دون كلل قطًّا لا يكاد يتغلب عليه البتة. يتقمّص الفأر أدوارًا غاية في الروعة، فهو الموسيقار والفنان والعالم… ولا يتقمّص القط إلاّ أدوارًا تعكس أدوار الفأر الرئيسية، وعلى هذا الأساس، فإنّ الصور المتحركة مبنية على شخصية الفأر، وما القط هناك إلاّ لرد الفعل والتأثيث. لكن كيف ننظر نحن معشر العرب والمسلمين إلى الفأر؟ هل هو حيوان جميل ولطيف؟ هل هو ذكي وفطن؟ الفأر في المنظور الإسل
كان لي في المدة الأخيرة شرف ترجمة كتاب قيّم صدر عن هيئة متاحف قطر، مشكورة، عنوانه: "اللؤلؤ". وقد نُشر الكتاب بالتزامن مع معرض متميز وبهيّ قدّم مجموعة رائعة من اللآلئ، وصدر في اليوم نفسه بالعربية والفرنسية والإنكليزية. ويُقال إنّ هذا الكتاب يُعدّ حاليًّا أهمّ مرجع في مجال اللؤلؤ لأنه يعالج الموضوع من شتّى جوانبه: العلمية والتاريخية والفنية والاقتصادية… وقد ترجمتُ الكتاب عن الفرنسية، وأودّ اغتنام هذه الفرصة لأحدّثكم عمّا يجري في ورشات الترجمة قبل أن يتمّ نشرها من مماحكات ونقاشات مختلفة، وأدع للقارئ الكريم الحكم الفصل. وردت في النص الفرنسي الأصلي مقولة تعود لسنة 1951 لامبراطور اللؤلؤ المستزرع: ميكيموتو وهي بلغتها الأصلية (Je souhaite orner de perles le cou de toutes les femmes du monde). وتتميز الجملة بروح شاعرية وترجمتها العربية: "أرغب في تزيين أجياد كل نساء العالم باللؤلؤ". فما راعني إلاّ أنّ المراجع استبدل أجياد بأعناق، لتصبح الجملة: أرغب في تزيين أعناق كل النساء (لا بحبل مشنقة، استغفر الله) باللؤلؤ. فكاتبت الناشر الإيطالي الذي كان يُشرف على النص قبل تسليمه إلى هيئة متاحف قطر، وقلت: إنّ المقولة الأصلية بالفرنسية تتّسم بالشاعرية والبيان وباختيار ألفاظ جميلة مُعبّرة، ويتعيّن علينا معشر المترجمين نسخ الروح الجمالية ذاتها -قدر المستطاع- في الترجمة، وهو ما جعلني أميل إلى أجياد جمع جيد وأتخلّى عن الرقبة. وقدمت أدلة عن ذلك ما يلي:
ورد في القاموس المحيط تعريف الجيد كما يلي:
موضع القِلادة؛ زيّنت جيدَها بقلادة ذهبيّة.
كما ورد في تاج العروس ما يلي:
وهكذا فإنّ مفردة الجيد تُستخدم للدلالة على جمال عنق المرأة ورقّته بينما تُستخدم العنق بدلالة فيها مزيدًا من المباشرة والخشونة أو للدقة العلمية. لذلك أرجو أن تعودوا لخيار الجيد عوضًا عن الرقبة… لكن لا حياة لمن تنادي، ونشر صديقنا الإيطالي رقبة عوضًا عن الجيد. ولذلك وجبت الإفادة…
وأقتبس لكم من صحيفة "العرب" القطرية هذا المقال التعريفي بالكتاب المتوافر في مكتبة متحف الفن الإسلامي الرائع بدوحة السلام في قطر، والسلام عليكم ورحمة الله
| «اللؤلؤ».. كتاب في التاريخ والجمال والحضارة |
|
| <!–
عدد القراء: 86
–> |
|
|
2010-01-31 |
|
هل العقل العربي انقسم على مرّ التاريخ إلى شطرين؟ عقل برهاني، لا يعترف إلاّ بالدليل والتجربة، وعقل بياني، يُفصح بطريقة تكاد تكون فطرية عن الحقيقة؟ هل ورثت المنطقة المغاربية فكر ابن رشد، وورث المشرق فكر الغزالي؟ لا أدري… لعلّ هذا التقسيم يحتوي على ومضات من الحقيقة!!
ما يهمّنا في هذا المقام أنّ محمد عابد الجابري يحلّ ضيفًا على هذه المدوّنة، لا ليتحدث عن العقل، فقد خصص عقودًا من حياته لدراسة ذلك المحور ونقد العقل العربي. لكنّه هنا يحدّثنا عن فكرة الفتنة، وينزع الغبار والتربة التي ألقاها بعض إخواننا من الجهلة و/أو الذكوريين على أجمل هدية أعطاها الله للرجل: المرأة… لتُؤنسه ويُؤنسها.
الدكتور عبدالله إبراهيم معروف على الساحة الأدبية العربية من خلال أعماله الكثيرة وعلى رأسها "موسوعة السرد العربي"، إضافة إلى عدة مصنفات اهتم فيها بالمركزيات في الثقافات المختلفة، كالمركزية الغربية والمركزية الإسلامية. وهو عراقي من الصنف الراقي، دمث الخلق، أنيق في لباسه وحديثه، لكنه لا يجامل بقلمه، اخترته ضيفًا هذه المرة، وهو يقدم لنا مقالاً نابيًا يصوّر لنا كيف تتطور الدولة باتجاه… القاع، حتى تصبح:
الدولة السافلة![]()
بقلم : د. عبدالله إبراهيم (كاتب عراقي ) ..
تطرّق الفيلسوف الفرنسي جاك دريدا قبيل وفاته إلي مفهوم الدولة السافلة التي تنحط فيها القيم، والاعتبارات، والقوانين، والأعراف، فيقلب عاليها سافلها، ويتقدم صفوفها سفلة من الانتهازيين، والمخادعين، والمرائين، فتنحسر التطلعات الكبري، وتنهار الخصوصيات الاجتماعية، وتتعرض للانتهاك، وغالبا ما يكون ذلك حينما تخيم الأيديولوجيات الشمولية علي المجتمع فينزلق إلي التفسخ والتحلل، وتنهار المفاهيم الأخلاقية الكبري، ويوضع البريء في خانة المتهم لكي يخدع بوعد النجاة من عقاب غامض ينتظره، ففي ظل حكم الدولة السافلة يكون كل شيء واضحا وغامضا في الوقت نفسه، واضحا لأن الجميع فُرض عليهم التفكير بطريقة واحدة، وغامضا لأنه لا يعرف أحداً الحدود التي ينبغي عدم تجاوزها، وخلال كل ذلك يجري تنميط عام لكل شيء، إذ ينشأ قطيع الطاعة العمياء، وتشيع روح اللامبالاة، وتصبح المسؤولية عبئا يُحذّر منه، ويوضع الكل تحت الرقابة، فتهيمن الدولة علي مقادير الناس بعامتهم، وتتحكم بمصائرهم، وتستبعدهم، وتتركز السلطات جميعها بيد رجل يقود قطيعا مخدرا من أشباه الناس، وكل شيء يبدو مستحيلاً من دونه.
ويلزم، في المجتمع الذي تتسلط عليه الدولة السافلة، أن يكون هنالك قائد ملهم ينصاع الجميع له، ويمتثلون لسطوته القاهرة، فيتجسّد حضوره في الفنون، والآداب، والأفكار، والتواريخ الكونية، وحتي الاقتصاد، والعلوم الصرفة، وتحلّ الهستريا الجماعية المَرضيّة المعبرة عن الولاء له محل التأمّل في معرفة حقيقته، ويجب علي مؤسسة الدولة أن تكرّس له الكرنفالات الباذخة من أجل تضخيم صورته وتثبيتها نهائيا في المخيال الجماعي، ثم لابد أن تُنسب له المعجزات مشفوعة بسلسلة من ا
إذا كنت ترغب في الحفاظ على صحتك العقلية وسلامتك البدنية، لا تحاول أن تفهم المنطق الذي يتّبعه المتشددون اليهود الذين يزعمون المزاعم حول هيكل سليمان، نبيّ الله عليه السلام.
تتأثر صحتك العقلية سلبًا لأنّ العقل السليم لا يقبل ما هو غير منطقي ولا حكيم ولا يستسيغ الذوق السليم تلك البضاعة الفاسدة التي يتمّ تسويقها على أنّها عين المنطق والحكمة. كما تتأثر صحتك الجسدية سلبًا - نسأل الله لكم ولنا العافية - إذ تُصاب بصداع عندما تسعى لفهم الطرهات التي لا رأس لها ولا بعبوص (هكذا يسمّى الذنب في تونس).
أضرب لكم مثلين فقط.
1. يقول المتعصبون اليهود إنّ الهيكل المزعوم هو أكثر الأماكن قدسية عندهم، والمقصود ب
إدواردو غاليانو، كتاب «المرايا». كلّنا من أصل إفريقي… لكنّ العنصرية تسبب فقدان الذاكرة
عبدالودود العمراني
يُعدّ إدواردو غاليانو من أبرز كتّاب أمريكا اللاتينية. وهو مؤلّف أعمال رائعة ألهمت العديد من مؤلّفي الموسيقى الشعبية والسنفونية في كلّ أنحاء العالم. ترجمت أعماله إلى 28 لغة، ونذكر منها: "ذاكرة النار" (ثلاثة أجزاء)، و"عروق أمريكا اللاتينية النازفة بالدماء"، و"كرة القدم في الشمس وفي الظل"، و"أيام وليالٍ من الحب والحرب"، و"كتاب العناقات"، و"الكلمات التي تمشي"، و"عاليها سافلها"، و"أصوات الزمن". وسُلّطت عليه الأضواء هذا الشهر بمناسبة ظهور مؤلّفه الرائع "المرايا". وكان الرئيس الفنزويلي هوغو شافيز قد جلب انتباه العالم بأجمعه إلى كتاب غاليانو "عروق أمريكا اللاتينية النازفة بالدماء" عندما قدّمه هدية للرئيس أوباما في الشهر الماضي.
لا يستطيع أحد أن يصنّف أعمال غاليانو في خانة معيّنة، ذلك أنّه يروي حكايات مستوحاة من التاريخ الإنسائي منذ بداياته ويضمّنها رؤية تتراوح بين براءة الطفل وصرامة الناقد الصادق وحكمة الفيلسوف الحكيم. أمّا أسلوبه فيستخدم كل المفردات والأنماط التي عرفها الأدب العالمي من الرومنسية إلى الواقعية والرمزية والحداثة والسريالية وغيرها… إنّه الكاتب اللانمطي الذي يشدّك إلى كلماته لأنه يحدثك عن نفسك، عنك ككائن بشري، كإنسان بكلّ بساطة. وهو يفعل ذلك ملتفتًا إلى طرح الأسئلة، لا إلى توفير الإجابات.
وقد ترجمت للقارئ الكريم الصفحات الأولى من مؤلّفه "المرايا" الذي صدر في مايو 2009. يمكن النظر إلى هذا الكتاب على أنّه فسيفساء تسرد لنا على امتداد 5000 سنة تاريخ البشرية، وتبرز في الفسيفساء مختلف الشخصيات من فنانين ومبدعين وكتاب، بل قبائل وشعوب العالم بأكملها…
مولودة من الرغبة
كانت الحياة وحيدة، دون اسم ولا ذاكرة. كانت لها أيادٍ، لكن لا أحد لتلمسه. وكان لها لسان، لكن لا أحد لتتحدث معه. كانت الحياة واحد. وكان الواحد لا أحد.
ثم ظهرت الرغبة وسَرَت في ظهر الحياة. قَسَم سَهْم الرغبة الحياة في وسطها، فانشطرت إلى نصفين.
لمّا أبصر كل نصف النصف الآخر، ضحكا معًا. ولمّا تلامسا ضحكا معًا مجدّدًا.
حفل على القدمين
هل كان آدم وحوّاء أسودان؟
ابتدأت المغامرة البشرية عبر العالم في إفريقيا. من هناك انطلق أجدادنا لغزو الكوكب. قادتهم خطاهم الكثيرة إلى أقدار كثيرة؛ ثمّ تكفّلت الشمس بطلاء سحنة الأجداد من لوحة الألوان. أصبحت ألوان قوس قزح الأرض اليوم أغنى من قوس قزح السماء. لكننّا جميعًا مهاجرون من إفريقيا: حتّى أشدّ البيض بياضًا قدِم من إفريقيا. من الجائز أنّنا نرفض الاعتراف بأصولنا المشتركة لأنّ العنصرية تسبب فقدان الذاكرة. أو ربّما لأننا لا نكاد نصدّق أنّه في تلك الأيام الخوالي كان العالم بأكمله مملكتنا، خارطة شاسعة دون حدود، وكانت أرجلنا هي جواز السفر الوحيد المطلوب منّا.
المُشاغب
كانت السماوات والأرض منفصلة بعضها عن بعض، وكذلك الخير والشرّ، والولادة والموت. لم يكن النهار يختلط أبدًا بالليل. كانت المرأة امرأة والرجل رجلا.
لكنّ "إكسو"، المجرم الإفريقي الهائم على وجه الأرض أراد أن يرفّه عن نفسه فكان السبب وراء الاختلاطات المارقة. وهو ما يزال يفعل ذلك حتى الساعة.
تزيل حيله الشيطانية الحدود وتجمع ما فرّقته الأقدار. بفضل خزعبلاته البارعة، تصبح الشمس سوداء والليل منيرًا. تخرج النساء من مسامّ الرجال ويخرج الرجال من عَرَق النساء. يولد الموتى ويموت الولدان. يختلط الأمام والوراء لكل ما خُلق وما سوف يُخلق، ولا يمكن أن تحدد مَن الرئيس ومن المرؤوس، ولا من هو فوق ومن تحت.
يمرّ الوقت إلى أن يعود النظام الإلهي بنظام درجاته وجغرافيّته، وهكذا يعود كل شيء وكل شخص إلى مكانه. لكن بعد فترة وجيزة يظهر الجنون من جديد.
وقتها تشتكي الأقدار قائلة إنّ العالم مكان صعب حقًّا.
الكهوف
تتدلّى الراشحات من سقف الكهوف. وتتراكم المترشحات فوق أرض الكهوف. تتكوّن من الكريستال الهش رقيق القوام، والناجم عن عرق الصخور في أعماق الكهوف التي نحتها الماء والزمن في أحشاء الجبال.
تقضي الراشحات والمترشحات آلاف السنين لتبلغ الأسفل أو الأعلى، قطرة تلو القطرة تبحث الواحدة عن الأخرى في غياهب الظلمة. تسعى بعض القطرات طيلة مليون سنة كي تتلامس. هي ليست على عجلة من أمرها.
أصل النّار
علّموني في المدرسة أنّنا اكتشفنا النار في عصر الكهوف الغابر، وكان ذلك لمّا فركنا حجرتَيْ صوّان أو قشّتين معًا.
بقيت أحاول منذ ذلك الحين. لكنّي لم أحصل حتى على شرارة صغيرة.
إلاّ أنّ إخفاقي الشخصي لم يمنعني من استحسان المزايا التي قدّمتها لنا النار. حمتنا من البرد ومن الوحوش التي كانت تتهدّدنا. طبخت طعامنا، وأضاءت ليلنا، ثم دعتنا إلى الجلوس جنبها معًا.
أصل الجمال
إنهم هناك، مرسومون على جدران الكهوف وسقوفها. جواميس، أيول، دببة، خيول، نسور، نساء، رجال، هذه الرسوم ضاربة في القدم لدرجة أنّ لا عمر لها. لقد نشأت
ترجمة مقطع من مقدّمة كتاب المؤرّخ التونسي محمد الطالبي المخصص لعبدالرحمن بن خلدون. تجدر الملاحظة أنّ محمد الطالبي يُعدّ من أبرز المفكرين العرب المسلمين المعاصرين، وقد تمّ تصنيفه ضمن أهمّ مئة شخصية فكرية وعلمية وفنية في القرن العشرين (مجلة جون أفريك).
"للتاريخ دلالة واتجاه". هكذا ينظر إليه ابن خلدون. نحن نصنع التاريخ وهو يصنعنا.
أدرك ابن خلدون بكل وضوح أنّه يشاهد منعرجًا، وأنّه شاهد على تحوّل كبير: صعود حضارة وهبوط حضارة أخرى. كان يعلم أنّ الغرب يصعد وأن الحضارة الإسلامية تسير في الاتجاه الآخر. أراد أن يفهم مسببات هذه الحركة، فأصبح مؤسس العلوم الإنسانية، وخبير في سبر المجتمعات ساعيًا إلى تتبّع أصول العلل التي تلتهمها واستنباط قوانين التطوّر والتخلّف. يوجد متّسع لتحيين تحاليله وتطويرها، لكنّها لم تعد عديمة الجدوى، وهو ما يفسّر الانتباه المتواصل الذي تستحقّه.
إنّ هذا المؤلف يتخطّى المجاملة العادية التي نقدّمها لعبقريّ كوني. نجد في هذا الكتاب مادة للتفكير في زمن من تاريخنا تظهر فيه ملامح منعطف جديد، بل ربّما ثورة تتأهب وتتحقق. وكما يلاحظ بمرارة الأمريكي سامويل هنتيغتون لم تعد خارطة العالم ما كانت عليه سنة 1920 عندما بلغ نجم الحضارة الغربية أوجه.
كان جيلنا جيل مقاومة الاستعمار ودحضه، وهي المقاومة التي قلبت خارطة 1920. إنّ القرن الذي يبدأ في
اجتاحت بلداننا العربية أعداد هائلة من تلك الفضاءات عديمة الروح والشخصية التي يطلق عليها "سوبرماركت" في المشرق العربي و "سوبرمارشي" في المغرب العربي. وهي لا تتعدى كونها دكاكين ضخمة مضاءة بألوان بيضاء ومصممة من طرف أخصائيين لا يهدفون إلا لغرض واحد صريح: أن يجعلوك تشتري وتشتري دون تفكير ولا حساب… إنّ الغالبية المطلقة من البضائع التي تقدمها هذه المغازات (هكذا سنسمّيها) هي البضائع نفسها التي اعتدنا شراءها من العم صالح بائع الحليب واللبن والجبن، ومن العمّ علي الخباز، ومن العم حسونة بائع الخضر والفواكه، ومن العمة فطومة بائعة الفطائر الشهية. وتعرض هذه المغازات الأسماك واللحوم والدواجن التي كنّا نقتنيها من الأسواق الشعبية بينما نلتقي مع الجيران والأحباب والأصدقاء وسط الأسواق التقليدية الجميلة المملوءة خيرات وبركات. أمّا اليوم فقد اندثر العمّ صالح والعم حسونة وغيرهم واجتاحنا العم سام ابن البغل والعم جاك ابن الخنزير والعم جورجيو ابن الكلب. قدموا من خارج أوطاننا وأقنعوا سلطات بلادنا باسم حرية التجارة وغيرها من الطرهات أن يفتحوا لهم جيوبنا وما تحتوي عليه من دراهم ودنانير وريالات وجنيهات. لنتغاضى عن حرية التجارة الغريبة التي تسمح لهم ما لا تسمح لنا، فهي تبيح لهم الدخول إلى أسواقنا بكل بضائعهم وثقافاتهم المهترئة، وتمنع دخول فتياننا إذا رغبوا في الهجرة لبلدانهم للعمل أو الدراسة، وتجعل قيودًا لا تنتهي على منتجاتنا الزراعية عندما نرغب في تسويقها في ديارهم… عندما يأتي العم سام ابن البغل والعم جاك ابن الخنزير والعم جورجيو ابن الكلب لبلداننا حاملين تقانات متقدمة أو علوم جديدة لا نعرفها، فقد نتفهم دخولهم اليسير إلى بلداننا… فهم يحملون بضائع لا تتوفّر لدينا. أمّا عندما يحلّوا بيننا ليبيعوا لنا منتجاتنا نفسها، فهذا عين الغرابة والسريالية. يأتون لتونس فيشترون زيت الزيتون والهريسة الحارة ليبيعوها لنا. يأتون إلى مصر ليشتروا الخيرات الزراعية المنتجة في دلتا النيل ويبيعونها للمصريين، ويأتون للأردن، والمغرب والعراق واليم